القرطبي
53
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي ، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال ، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم ، ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال : " فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها " . وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير ، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة ، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه ، فسمي ذلك الموضع منه ناصية ، لأنها تنص حركات العباد بما قدر ، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها . ووصف ناصية أبي جهل فقال : " ناصية كاذبة خاطئة " ( 1 ) [ العلق : 16 ] يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة ، فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ . [ والله أعلم ] ( 2 ) . ( إن ربى على صراط مستقيم ) قال النحاس : الصراط في اللغة المنهاج الواضح ، والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شئ فإنه لا يأخذهم إلا بالحق . وقيل : معناه لا خلل في تدبيره ، ولا تفاوت في خلقه سبحانه . ( قوله تعالى : ( فإن تولوا ) في موضع جزم ، فلذلك حذفت منه النون ، والأصل تتولوا ، فحذفت التاء لاجتماع تاءين . ( فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ) بمعنى قد بينت لكم . ( ويستخلف ربى قوما غيركم ) أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه . " ويستخلف " مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع ، أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله : " فقد أبلغتكم " . وروي عن حفص عن عاصم " ويستخلف " بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها ، مثل : " ويذرهم ( 3 ) في طغيانهم يعمهون " [ الأعراف : 186 ] . قوله تعالى : ( ولا تضرونه شيئا ) أي بتوليكم وإعراضكم . ( إن ربى على كل شئ حفيظ ) أي لكل شئ حافظ . " على " بمعنى اللام ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء .
--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 124 . ( 2 ) من ع . ( 3 ) بالباء وسكون الراء قراءة . راجع ج 7 ص 334 .